أحمد بن محمود السيواسي
247
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
كَبِيرُهُمْ ) في العقل والعلم لا في السن وهو يهوذا ، وقيل : « هو شمعون وكان له الرياسة على إخوته » « 1 » ( أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً ) أي عهدا ( مِنَ اللَّهِ ) ولم تحفظوا عهد أبيكم ( وَ ) ألم تعلموا ( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل هذه الحالة ( ما فَرَّطْتُمْ ) أي تفريطكم ، أي تقصيركم ( فِي يُوسُفَ ) أي في شأنه من الخيانة العظيمة ( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ) أي فلن أفارق أرض مصر التي وقعت النائبة له فيها ( حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ) بالخروج منها ويدعوني ( أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ) بالخروج من مصر وترك أخي أو بخلاص أخي من يد الملك بسبب من الأسباب أو يحكم اللّه لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي ( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) [ 80 ] أي أعدل العادلين وأقضى القاضين في الحكم . قيل : في القصة أنهم غضبوا شديدا لهذه الحالة ، فقال منهم روبيل وكان إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ، وإذا صاح صيحة ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها ، وكان إذا مسه أحد من أولاد يعقوب سكن غضبه : كم عدد الأسواق بمصر ؟ قالوا : عشرة ، فقال : اكفوني أنتم وأنا أكفيكم الملك أو عكس ذلك ، فدخلوا على يوسف ، فقال روبيل : لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر حامل إلا ألقت ولدها ، فقال يوسف لابن له صغير بعد رؤية غضبه وقيام كل شعرة في جسده خرجت من ثيابه : قم إلى جنب روبيل فمسه وذهب إلى جنبه وهو لا يعلمه « 2 » فمسه فسكن غضبه ، فقال روبيل : إن ههنا لبذرا من بذر يعوقب ، فقال يوسف : من يعقوب ؟ فغضب ثانيا ، فقام يوسف إليه فركضه برجله وأخذ بتلابيبه فأوقعه على الأرض ، فقال أنتم معشر العبرانيين تحسبون أن لا أحد أشد منكم قوة ، ولما صار أمرهم إلى هذا خضعوا وذلوا ، فقالوا : يا أيها العزيز « إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً » إلى قوله « الْحاكِمِينَ » « 3 » ، ثم قال يهوذا « 4 » ( ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ ) بنيامين ( سَرَقَ وَما شَهِدْنا ) أي ما قلنا لك ( إِلَّا بِما عَلِمْنا ) وليست هذه شهادة قطعية منا على سرقته ، إنما هو خبر عن ضيع ابنك ، لأنا رأينا الصواع قد أخرج من رحله وحسبك بهذا شاهدا ( وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ ) أي لما غاب من أموره في ليلة ونهاره ( حافِظِينَ ) [ 81 ] أي ما علمنا أنه سرق بالصحة أم دس الصواع بالليل في رحله ولم يشعره ، يعني لم نطلع على أنه سرق ولكنهم سرقوه . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 82 ] وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 82 ) ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ) أي أهلها وهي قرية من قرى مصر ، كانوا ارتحلوا منها إلى مصر ( وَ ) اسأل ( الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ) أي القافلة التي كنا فيها وصحبناهم ، وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب ( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) [ 82 ] في قولنا . قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا العمل بأبيه وإخوته مع وفور علمه ، وفيه معنى العقوق وقطيعة الرحم وقلة الشفقة ، أجيب بأنه عمل ذلك بالوحي ليزيد في بلاء يعقوب وتضاعف له الأجر ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين ، فرجعوا إلى أبيهم يعقوب بذلك القول فاتهمهم يعقوب . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 83 ] قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) ( قالَ ) يعقوب لبنيه ( بَلْ سَوَّلَتْ ) أي سهلت وزينت ( لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) وهو حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أي فعلي صبر حسن من غير جزع لا شكوى فيه إلى أحد ( عَسَى اللَّهُ ) أي لعله ( أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) أي يوسف وبنيامين وأخاهم المقيم بمصر لأجلكم ( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ) بحزني ووجدي على فقدهم ( الْحَكِيمُ ) [ 83 ] في ابتلائي لحكمة ومصلحة وتدبير ردهم علي .
--> ( 1 ) عن مجاهد ، انظر السمرقندي ، 2 / 172 . ( 2 ) لا يعلمه ، ب : لا يعلم ، س م . ( 3 ) نقله عن البغوي ، 3 / 311 . ( 4 ) راجع في هذا الموضوع إلى تفسير قوله « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » ، رقم الآية ( 101 ) من سورة يوسف .